عبد الشافى محمد عبد اللطيف

234

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

كان يعرف أنه بدون التعاون بين الشام ومصر ؛ فلن يكتب لمشروعه أن يرى النور ويصبح حقيقة واقعة ، والشام ومصر آنئذ أجزاء من الدولة الإسلامية ، والتعاون بينهما لن تكون أمامه عوائق . لا سيما في ظل حكم أميرين من طراز معاوية أمير الشام ، وعبد اللّه بن سعد بن أبي السرح ، أمير مصر ، وكانت نتيجة ذلك التعاون عظيمة وباهرة ، فقد نشأت قوة بحرية إسلامية هائلة ، أثبتت وجودها بسرعة فائقة ، وحققت انتصارات باهرة على البيزنطيين ، وانتزعت منهم جزيرة قبرص ( سنة 33 ه ) « 1 » وحققت عليهم انتصارا حاسما في موقعة ذات الصواري ( سنة 34 ه ) . وأخذ الأسطول الإسلامي ينتزع السيادة على البحر الأبيض المتوسط من البيزنطيين ، ونجح في ذلك حتى غدا ذلك البحر بحرا إسلاميّا لعدة قرون تالية . وقصة التعاون بين الشام ومصر تؤكد الارتباط القوي بين أمن مصر وأمن الشام ، فأية قوة تمتلك مصر لا تكون آمنة إذا كانت الشام في يد قوة معادية ، وهذه حقيقة اكتشفها الفراعنة منذ وقت مبكر ، وأول من أدركها الفرعون تحتمس الثالث عندما طارد الحيثيين وانتصر عليهم في معركة مجدو ( سنة 1479 م ) ، فإنه رفع العلم المصري عند شط الفرات في أقصى شمال شرق الشام ، وقال هذه حدود مصر الشرقية « 2 » . وكذلك الحال بالنسبة للشام ، لن تكون آمنة إذا كانت مصر في يد قوة معادية ، وليس سرّا أن عمرو بن العاص عندما فكر في فتح مصر كان يرمي من وراء ذلك إلى تأمين الوجود الإسلامي في الشام ، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل . وطوال مراحل التاريخ الإسلامي أدرك حكام المسلمين ضرورة الوحدة بين الشام ومصر . فعند ما حدث الخلاف بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان - أمير الشام - كان أول ما فكر فيه هذا الأخير هو ضم مصر إلى دولته . وكان نجاحه في ذلك مفتاح نجاحه في الوصول إلى الخلافة ، وبناء دولة أموية أصبح لها في التاريخ الإسلامي شأن كبير ، وكذلك الحال عندما تعرضت الدولة الأموية للزوال بعد وفاة يزيد بن معاوية ( سنة 64 ه ) وكادت تضيع ، وعندئذ ظهر مروان بن الحكم بن

--> ( 1 ) غزا معاوية جزيرة قبرص بقوة بحرية شامية مصرية مشتركة ( سنة 28 ه ) ، ومع أنه انتصر وامتلك الجزيرة إلا أنه انسحب منها بشروط ، فلما أخل أهل قبرص بالشروط غزاها مرة أخرى ( سنة 33 ه ) وضمها إلى الدولة الإسلامية ، ونقل إليها اثني عشر ألف أسرة من الشام ، أسكنهم فيها وبنى لهم المساجد والأسواق . . . إلخ . ( 2 ) د . شكري فيصل - حركة الفتح الإسلامي في القرن الأول ( ص 110 ) .